فصص وحكايات

طليقتي جت تزور ابنها روماني مكرم

وانتهى بيها الحال إنها باتت عندنا. سبتها تنام في الصالة. وفي وقت بعد نص الليل شوية، صحيت أشرب مية وسمعت صوتها في وقت ماكنش المفروض أسمعه فيه… وبحلول الصبح، كل حاجة اتغيرت.” عدّى تلات سنين على ورق الطلاق.

أنا أحمد، وحياتي استقرت على رتم هادي مع ابني عمر، إحنا الاتنين بس. بوصلّه المدرسة كل صباح، وأرجّعه بعد الظهر، وبنقضي أغلب أمسياتنا على العشا مع أهلي في القاهرة. مش حياة مثالية، لكنها هادية… وكنت مقتنع إن الهدوء ده كفاية. كنت فاكر فعلًا إن الماضي خلاص انتهى.

مقالات ذات صلة

لحد امبارح.

لقيتها واقفة قدام باب بيتي. نفس الست اللي كنت بحبها في يوم من الأيام… بس مختلفة. وشّها زي ما هو، لكن عينيها لا. الثقة اللي كانت فيها اختفت، وحل مكانها تردد… ومعاه أمل. قالت إنها جاية تشوف ابنها. اترددت شوية… وبعدين سيبت لها الطريق تدخل.

عمر اتجمد في مكانه أول ما شافها — وبعدها جري عليها ح.ضنها كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. ابتسامته كانت أوسع من أي ابتسامة شفتها على وشه من وقت طويل. وأنا واقف بتفرج عليهم، حسيت صدري اتقبض. ساعتها بس فهمت قد إيه هو مفتقد أمه، حتى لو عمره ما قالها.

قعدت معانا باقي اليوم والمساء. أهلي سألوا أسئلة بسيطة ولطيفة، وعمر رفض يسيبها لحظة. كنت عايز أطلب منها تمشي، بس حسّيت إن التوقيت غلط. في الآخر، أمي عرضت عليها تفضل تتعشى وتبات الليلة. وافقت فورًا… كأنها كانت مستنية حد يقولها.

في وقت متأخر من الليل، صحيت أشرب مية. نور الصالة كان لسه منوّر. وأنا رايح أطفّيه، سمعت صوت فجأة…

سمعت صوتها… صوت بكا مكتوم.

وقفت مكاني لحظة، قلبي دق بسرعة. الصوت جاي من الصالة. قربت بخطوات هادية، لقيتها قاعدة على الكنبة في الضلمة، ضامة المخدة في ح.ضنها وبتبكي كأنها بتحاول ما تزعّجش حد.

كنت ممكن أرجع أوضتي وأتجاهل الموضوع… بس مقدرتش.

قلت بهدوء:

— “إنتِ كويسة؟”

اتفزعت أول ما شافتني، ومسحت دموعها بسرعة.

— “آسفة… صحّيتك؟”

هزّيت راسي:

— “لا… صحيت أشرب مية. مالك؟”

سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت مكسور:

— “أنا وحشني ابني.”

الجملة كانت بسيطة… لكنها ض.ربت في حتة حساسة جوايا. تلات سنين وأنا شايل مسؤولية كل حاجة لوحدي. السهر، التعب، المدرسة، المرض، كل لحظة. كنت دايمًا مقتنع إنها اختارت تمشي بإرادتها.

قلت ببرود حاولت أتمسك بيه:

— “كان ممكن تفضلي عشانه.”

بصّت في الأرض وقالت:

— “كنت فاكرة إني بعمل الصح. كنت فاكرة إني هقدر أبدأ حياة جديدة وأرجع آخده معايا لما أستقر… بس الدنيا مشيت عكس اللي كنت متخيلة.”

رفعت عينيها عليّ، وفيهم ندم حقيقي:

— “فشلت يا أحمد. الجوازة التانية انتهت، الشغل ضاع، وحتى صحابي اختفوا. وكل ما الدنيا تضيق عليّ، مكنتش بفكر غير في عمر.”

سكتّ. جزء مني كان لسه زعلان… لكن جزء تاني شاف قد إيه هي مكسورة.

قالت بعدها بهمس:

— “أنا عارفة إن ماليش حق أطلب حاجة… بس ممكن أكون جزء من حياته تاني؟ حتى لو مجرد زيارات؟”

بصيت عليها شوية، مش عارف أرد. كل الذكريات رجعت فجأة… الخناقات، الطلاق، الليالي اللي عمر كان بينام فيها وهو مستنيها.

قلت في الآخر:

— “الموضوع مش بيني وبينك… الموضوع عمر. لو وجودك هيسعده، مش همنعك. بس مفيش لعب تاني. لو رجعتي لحياته، تفضلي فيها.”

دموعها نزلت تاني، بس المرة دي وهي بتبتسم:

— “وعد.”

رجعت أوضتي، لكن النوم ماجاش. حسيت إن حاجة كبيرة بتتحرك في حياتنا من جديد… حاجة كنت فاكرها انتهت للأبد.

وما كنتش عارف إن الصبح هيجيب مفاجأة أكبر بكتير…

حكايات رومانى مكرم

الصبح جه بدري، أو يمكن أنا اللي ما نمتش أصلًا.

كنت واقف في المطبخ بعمل شاي لما عمر صحى وخرج يجري على الصالة يدور على أمه. بعد دقايق سمعت ضحكه… الضحكة اللي بقالها سنين ناقصة في البيت.

طلعت أبص عليهم. كانت قاعدة على الأرض، وعمر في ح.ضنها، بيحكيلها عن مدرسته وصحابه وكأنه بيحاول يعوض تلات سنين في نص ساعة.

كنت واقف على الباب، لحد ما عمر شافني وقال فجأة:

— “بابا… ماما هتفضل معانا بقى؟”

السؤال نزل عليّ زي حجر.

هي بصّت لي بسرعة، كأنها خايفة من الإجابة أكتر من عمر نفسه. قربت منهم وقلت بهدوء:

— “ماما عندها بيتها… بس ممكن تيجي تزورك كتير.”

عمر سكت شوية، وبعدين قال بجملة كسرتني:

— “أنا مش عايز زيارات… أنا عايز عيلة.”

الصالة سكتت. حتى هي ما لقيتش كلام ترد بيه.

بعد الفطار، طلبت مني نتكلم شوية قبل ما تمشي. خرجنا للبلكونة، وقالت وهي مترددة:

— “أنا جيت القاهرة عشان أبدأ من جديد. لقيت شغل هنا… وشقة صغيرة. وكنت ناوية أطلب إن عمر يقعد معايا شوية كل أسبوع.”

الكلام ضايقني، بس كنت فاهم إنها بتحاول ترجع لحياة ابنها بأي شكل.

قبل ما أرد، كملت كلامها:

— “بس بعد اللي شفته امبارح… وبعد ما شفتك معاه… فهمت إنك كنت شايل كل حاجة لوحدك. وأنا… أنا السبب في كل ده.”

سكتت شوية، وبعدين قالت حاجة ما كنتش متوقعها:

— “لو في يوم فكرت تديني فرصة أصلّح اللي عملته… أنا مستعدة أبدأ من الصفر. مش علشانك… علشان عمر.”

كنت لسه بفكر في رد، لما سمعنا صوت عمر من جوه بيصرخ:

— “بابا! ماما! تعالى بسرعة!”

دخلنا جري… ولقيناه واقف قدام باب الشقة، ماسك شنطتها الصغيرة، وبيقول ببراءة:

— “ما تمشوش تاني وتسيبوني لوحدي.”

بصّينا لبعض… وكل واحد فينا فهم إن القرار اللي جاي مش هيأثر علينا إحنا بس… ده هيحدد شكل حياة طفل صغير متعلق بين قلبين متوجعين.

وساعتها بس، بدأت أفهم إن اللي جاي أصعب من كل اللي فات…

للمذيد من القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم

وقفت أبص لعمر وهو ماسك شنطة أمه بكل قوته، كأنه خايف لو سابها لحظة تختفي تاني.

أمه قربت منه بسرعة، نزلت على ركبتها، ومسكت وشه بين إيديها وقالت:

— “أنا مش همشي يا حبيبي… بس لازم نعمل كل حاجة صح المرة دي.”

عمر بصّ لنا إحنا الاتنين، مش فاهم يعني إيه “صح”، كل اللي فاهمه إنه عايز أبوه وأمه معاه.

بعد شوية، خرجت توصلها لحد باب العمارة. كنا ماشيين جنب بعض في صمت غريب. قبل ما تركب التاكسي، قالت:

— “عارفة إنك لسه زعلان… ومن حقك. بس أنا بجد عايزة أصلّح اللي أقدر عليه.”

قلت بهدوء:

— “مش أنا اللي محتاج يتصلّح… عمر هو اللي اتوجع.”

هزّت راسها وقالت:

— “علشان كده هرجع ببطء. من غير ضغط. بس ما تمنعنيش أقرب له.”

وافقت… بس من غير وعود تانية. اتفقنا تبدأ تشوفه كل كام يوم، وتاخده يبات عندها مرة في الأسبوع لو الأمور مشيت كويس.

رجعت الشقة، لقيت عمر قاعد زعلان. قلتله إن ماما هتيجي تاني قريب. سألني فجأة:

— “بابا… إنت لسه بتحب ماما؟”

السؤال لخبطني. قلتله:

— “في حاجات بتفضل في القلب… حتى لو الحياة اتغيرت.”

الأيام اللي بعدها عدت غريبة. وجودها رجّع ذكريات كتير كنت فاكرها انتهت. البيت بقى فيه حركة أكتر، وعمر بقى أهدى وأسعد.

لكن بعد أسبوعين، وأنا راجع من الشغل، لقيت أمي مستنياني على الباب ووشها مش مطمّن.

أول ما دخلت، قالت:

— “أحمد… طليقتك جات هنا النهارده وهي بتعيط.”

قلبي وقع. سألتها:

— “ليه؟ حصل إيه؟”

قالت:

— “في راجل جه عند شقتها وفضل يزعق تحت البيت. الجيران اتدخلوا. شكل الموضوع كبير… وهي خايفة.”

وفي نفس اللحظة، موبايلي رن. اسمها ظهر على الشاشة.

ردّيت… وسمعت صوتها بيترعش:

— “أحمد… أنا آسفة إني بكلمك في وقت زي ده… بس أنا في مشكلة كبيرة… ومش عارفة أروح فين غير عندكم.”

ساعتها فهمت إن الماضي لسه ما خلّصش حسابه معانا… وإن اللي جاي هيختبر كل قرار أخدناه.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

سكتُّ لحظة وأنا ماسك الموبايل، وصوتها بيرتعش في السماعة. بصّيت لأمي، كانت فاهمة من وشي إن الموضوع مش بسيط.

قلت لها في التليفون:

— “إنتِ فين دلوقتي؟”

قالت بسرعة:

— “واقفِة تحت العمارة… مش عايزة أطلع من غير ما أعرف إذا كان ينفع ولا لأ.”

نزلت فورًا. لقيتها واقفة على الرصيف، ماسكة شنطتها بإيدين بيرتعشوا. عينيها حمرا من العياط، ووشّها مرهق كأنها بقالها أيام ما نمتش.

أول ما شافتني، قالت:

— “مش عايزة أعملك مشاكل… لو مش مناسب، همشي أشوف أي مكان.”

بصّيت حواليّ، حسيت إن تركها في الشارع مش خيار، خصوصًا إن عمر فوق وممكن ينزل في أي لحظة يشوفها ماشية تاني.

قلت باختصار:

— “اطلعي.”

في الشقة، عمر أول ما شافها جري ح.ضنها، وأمي دخلت المطبخ كأنها عايزة تسيب لنا مساحة. أنا طلبت منها تقعد وتهدى شوية.

بعد ما عمر نام، قعدنا نتكلم في الصالة.

قلت بهدوء:

— “مين الراجل ده؟”

اتنهدت وقالت:

— “جوزي التاني.”

الكلمة شدّتني. كنت فاكر الموضوع انتهى من زمان.

كملت:

— “هو اللي سيبني، بس لما عرف إني رجعت القاهرة وابتديت شغل جديد، حاول يرجع… ولما رفضت، بقى ييجي يزعق ويهددني.”

سألتها بجدية:

— “هددك بإيه؟”

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

— “قال إنه ممكن ياخد مني كل حاجة… وحتى يمنعني أشوف عمر لو اضطر.”

الغضب سخن في صدري. مش علشانها بس… علشان ابني. مش ناقصه توتر أكتر.

قلت بحزم:

— “مفيش حد هيقرّب من ابني ولا هيستخدمه في مشا،، كل.”

بصّت لي بعينين مليانين امتنان، وقالت بهدوء:

— “أنا عارفة إني مش من حقّي أطلب حماية منك… بس أنا فعلًا خايفة.”

في اللحظة دي، كنت واقف بين حاجتين: أسيبها تواجه مشكلتها لوحدها… أو أتدخل وأرجّع نفسي تاني في دايرة كنت خرجت منها بالعافية.

زر الذهاب إلى الأعلى