فصص وحكايات

المخزن

 

من هنا
بعد ٣١ سنة جواز، لقيت مفتاح مخزن مستخبي جوه محفظة جوزي القديمة ومعاه رقم الوحدة مكتوب بقلم أسود، وماقولتلوش حاجة، خدت المفتاح وروحت بنفسي، بس خليني أرجعلك من الأول، الليلة دي كانت أسوأ ليلة عدّت عليا من ساعة ما اتجوزنا، تليفون جهلي بعد نص الليل بيقول إن جوزي وقع فجأة واتنقل على المستشفى، لبست أول حاجة قدامي وجريت، الدنيا كانت بتلف، سرينة الإسعاف لسه بترن في وداني، نور المستشفى الأبيض كان قاسي قوي، دكاترة بتجري، وممرضات بتقول كلام كبير زي “نزيف داخلي” و“لازم عملية حالًا”، وأنا واقفة مش فاهمة حاجة غير إني ممكن أخسره، فضلّت ماسكة إيده لحد ما دخّلوه أوضة العمليات، ولما الباب اتقفل حسيت إن نصي التاني دخل جواه، قعدت مستنية ساعات بحسهم سنين، لحد ما الدكتور خرج وقال إن العملية نجحت بس هيفضل تحت تأثير البنج شوية، دخلتله الأوضة، قعدت جنبه أسمع صوت جهاز القلب طق طق طق، الصوت الوحيد اللي مطمني إنه لسه معايا، ممرضة قالتلي أروح أجيب له هدوم وحاجات شخصية عشان غالبًا هيتحجز كام يوم، عربيتي كانت في التصليح فكنت

مقالات ذات صلة

محتاجة مفاتيحه، روحت البيت وأنا تايهة، فتحت الباب والبيت كان هادي بطريقة تخوف، دورت على مفاتيحه في كل حتة ومش لاقياها، ساعتها افتكرت الدرج اللي بيحط فيه الحاجات القديمة اللي عمره ما بيرميها، فتحت الدرج وابتديت أقلب في إيصالات قديمة وصور باهتة وكابلات ملهاش لازمة، ولقيت محفظة قديمة مش اللي بيستعملها دلوقتي، فتحتها على أمل ألاقي المفتاح الاحتياطي، ماكانش فيها فلوس، كان فيها مفاتيح بس، شوية مفاتيح ملهمش معنى بالنسبة لي، غير مفتاح واحد عليه تعليقة بلاستيك باسم مخزن قريب من منطقتنا ومكتوب عليه رقم وحدة، قلبي وقع، ٣١ سنة مع بعض وعمره ما قال إنه مأجر مخزن، حاولت أقول لنفسي يمكن حاجة قديمة ونسي يقول، بس إحساس غريب كان بيقول إن الموضوع أكبر من كده، خدت مفتاح العربية الاحتياطي ومعاه مفتاح المخزن، ورجعت المستشفى أحط الحاجات وأطمن عليه، كان لسه نايم تحت تأثير البنج، وشه هادي كأنه طفل، بصيتله وسألت نفسي أنا أعرف عنه كل حاجة فعلًا؟ ولا في حياة تانية مستخبية عني؟ خرجت من عنده وبدل ما أروح البيت كتبت عنوان المخزن

في الموبايل وسوقت، الطريق كان ضلمة وأنا بفكر في كل الاحتمالات، خيانة؟ ديون؟ سر خطير؟ وصلت المكان، صف طويل من الوحدات الحديد، الجو كان ساكت، قلبي بيدق أسرع من أي وقت، وقفت قدام رقم الوحدة اللي على المفتاح، إيدي كانت بتترعش وأنا بحاول أدخل المفتاح في القفل، لفة واحدة والقفل فتح بسهولة كأن الباب مستنيي، سحبت الباب المعدني لفوق بصوت صرير عالي، وأول ما شفت اللي جواه رجلي ضعفت، ماكانش في سرير ولا شنط سفر ولا حاجة تدل على خيانة، كان في صناديق متراصة ومكتوب عليها اسمي، صور قديمة ليا من طفولتي متعلقة على الحيطة، كراسات المدرسة اللي كنت فاكرة إني ضيعتها، فستان فرحي متغلف بعناية، ألعاب ابني وهو صغير، أجهزة قديمة اتكسرت وافتكرت إنه رماها، لقيت كمان دفتر كبير متقسم سنين، فتحت أول صفحة لقيت عنوان “عشان لو في يوم مقدرتش أقول”، قعدت على الأرض وابتديت أقرأ، كان كاتب إنه من أول يوم اتجوزنا قرر يحتفظ بنسخة من كل ذكرى تخصني عشان لو حصل له حاجة أفتكر إن حياتنا كانت مليانة تفاصيل صغيرة تستاهل تتعاش، كتب إنه كان دايمًا

بيخاف من فكرة الموت المفاجئ عشان أبوه مات فجأة وهو صغير، وإن المخزن ده كان طريقته يحافظ على تاريخنا من الضياع، كان بيجمع الصور اللي باهتت، بيصلح الحاجات اللي كنت بحبها، حتى الرسائل اللي كنت بكتبها له وهو مسافر كان محتفظ بيها ومغلفها كويس، في صندوق صغير كان فيه هدية، علبة مخملية فيها خاتم شبه خاتم خطوبتنا، وتحتها ورقة مكتوب فيها “لو قريتي ده يبقى أنا نسيت أقولك قد إيه بحبك كل يوم من ال٣١ سنة”، دموعي نزلت من غير ما أحس، كل الخوف اللي كان جوايا اتحول لوجع جميل، وجع إني شكيت لحظة فيه، قعدت ساعات أفتح صندوق ورا صندوق، أكتشف إن الراجل اللي عشت معاه عمر كامل كان بيحبني بطريقته الهادية اللي مابتظهرش في كلام كتير، كان بيحوش ذكرياتنا كأنها كنز، ولما خلصت قفلته تاني بنفس الترتيب، ومسحت دموعي، ورجعت المستشفى وأنا شايلة معايا إحساس مختلف، دخلت أوضته لقيته بدأ يفوق، عينه فتحت ببطء وبصلي باستغراب وقال بصوت ضعيف “روحتِ البيت؟”، قربت منه وبوست إيده وقلت له “آه… وروحت كمان مكان تاني”، لمح في عيني إني عرفت،

متابعة القراءة

 

مفاجأة في المخزن

وسكت لحظة وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال “كنت ناوي أوريهولك في عيد جوازنا الجاي”، ضحكت وسط دموعي وقلت له “أهو أنا استعجلت”، مسكت إيده جامد وحسيت إن ال٣١ سنة اللي فاتوا ماكانوش مجرد وقت عدى، كانوا قصة كاملة متخزنة في مخزن صغير، قصة حب اتخبت مش عشان تتدارى، لكن عشان تتحفظ، ومن اليوم ده فهمت إن أوقات السر مش خيانة ولا خداع، أوقات بيبقى حب خايف يضيع، وحمدت ربنا إني فتحت الباب ده بنفسي قبل ما يفوت الأوان.

بعد اللي شوفته في المخزن، حياتي ما رجعتش زي الأول، بالعكس، حسيت إني اتعرفت على جوزي من جديد بعد ٣١ سنة، وكأن في طبقة كاملة من روحه كانت مستخبية وأنا بس اللي أخيرًا شفتها، قعد في المستشفى أربعة أيام، وكل يوم كنت بروح له وأنا شايلة معايا صورة من الصور اللي لقيتها هناك، أوريهاله وأقوله فاكر اليوم ده؟ فيبتسم ويبدأ يحكي تفاصيل أنا نفسي نساها، عن أول شقة إيجار صغيرة كنا ساكنين فيها وكان السقف بيسرب مية وإحنا بنضحك ونحط جردل، عن أول مرتب ليا لما اشتغلت واشتريت له ساعة

رخيصة وفضل لابسها سنين، عن يوم ولادة ابننا وهو واقف قدام أوضة العمليات بيرتعش بنفس الطريقة اللي كان بيرتعش بيها أبويا يوم ما اتجوزت، وبدأت أفهم إن المخزن ماكانش مجرد مكان بيخبّي فيه حاجات، ده كان أرشيف عمر كامل، كان بيخاف الذكريات تضيع لو اتنقلت من بيت لبيت، أو لو حصل حريق، أو لو الزمن باهت الصور، كان بيقول لي وهو لسه تعبان “أنا شوفت أبويا وهو بيلم هدوم أمي بعد ما ماتت ومش لاقي صورة واحدة ليهم سوا، حسيت وقتها إن الذكريات ممكن تضيع في لحظة، وأنا مكنتش عايز ده يحصل لنا”، وأنا أسمعه وأحس بغصة قديمة كانت مستخبية جواه طول السنين، وبعد ما خرج من المستشفى، قلت له إننا لازم نروح المخزن سوا، وفعلاً بعد أسبوع لما بقى أحسن، خدته بالعربية، نفس الطريق اللي مشيت فيه لوحدي وأنا قلبي مليان شك، المرة دي كنت ماسكة إيده، ولما وصلنا وقف قدام الباب الحديدي وبصلي وقال “جاهزة تشوفي الحكاية كاملة؟”، فتحنا الباب ودخلنا، وابتدى يحكيلي عن كل صندوق، واحد فيه رسائل كنت بكتبها له وإحنا مخاصمين

ونصالح بعض، واحد فيه أول رسمة لابننا مكتوب عليها “بابا وماما”، واحد فيه شريط كاسيت عليه صوتي وأنا بغني في المطبخ وهو مسجله من غير ما أعرف، ضحكت وقلت له “كنت بتتجسس عليا!” قال لي “كنت بحاول أحفظ صوتك”، وفي ركن بعيد كان في صندوق مقفول بقفل صغير، طلع مفتاحه من جيبه وقال “ده كنت مأجله”، فتحناه لقيت جوه دفتر تاني، بس ده كان مختلف، كان فيه خططه للمستقبل، رحلات كان نفسه نعملها، أماكن على البحر والجبل، وحتى تصميم بيت صغير كان بيرسمه بإيده، قال لي إنه كان بيحوش فلوس من غير ما يحسسني عشان يفاجئني في عيد جوازنا الـ٣٥ برحلة طويلة نسافر فيها أوروبا، قعدت أبص له ومش مصدقة إن الراجل اللي كنت أوقات بزعل منه عشان “مش رومانسي كفاية” كان شايل ده كله جواه، رجعنا البيت يومها وإحنا حاسين إننا لسه في أول الجواز، بقينا نقعد كل ليلة نفتكر ذكرى ونضحك، بقينا نصور أكتر، نكتب تواريخ على ضهر الصور، حتى ابننا لما عرف حكاية المخزن قال لنا “أنا كمان عايز أعمل واحد لما أكبر”، وبعد شهور قررنا

نعمل حاجة جديدة، نقلنا كل اللي في المخزن لبيت صغير اشتريناه في هدوء على أطراف المدينة، وحولناه لغرفة ذكريات، حيطانها مليانة صور، ورفوفها مليانة صناديق متسماة، وكل سنة بقينا نضيف صندوق جديد، بس الفرق إن المرة دي مابقاش في أسرار، بقينا بنحط الحاجات سوا، وهو ساعات يبصلي ويقول “لو حصلي حاجة فجأة…” فأقوله بسرعة “بعد الشر عليك”، فيضحك ويكمل “بس لو حصل، هتلاقي تاريخنا كله محفوظ”، وأنا أرد عليه “وأنا مش هستنى مخزن عشان أعرف إنك بتحبني”، والحقيقة إن المفتاح الصغير اللي لقيته في محفظته ماكانش بس مفتاح مخزن، كان مفتاح باب اتفتح بينا من جديد، باب رجّع لنا شغف افتكرناه راح مع السنين، علّمنا إن الحب مش لازم يكون دايمًا بصوت عالي، ساعات بيبقى في صناديق مقفولة، مستني اللحظة الصح عشان تتفتح، ومن يومها كل ما أعدي جنب المخزن القديم، أبتسم وأفتكر الليلة اللي رجلي كانت هتخونّي فيها، وأقول لنفسي الحمد لله إني فتحت الباب، والحمد لله إني لقيت جواه حب ماكانش مستخبي… كان بس مستني يتشاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى