فصص وحكايات

قصة اعتنيت بأطفال أختي حكايات انجي الخطيب

قلبي سقط في رجلي، الذاكرة بدأت تتجمع زي فلاشات سريعة وموجعة؛ ليلتها الكل كان فاكر إن ياسين نايم في أوضته، مفيش حد دور عليه في وسط زحمة الصدمة والشرطة. كنت مستخبي ورا الكرسي.. بابا مكنش بيخلص ورق، بابا كان بيهرب بيها!.. كمل كلامه وهو بيتدحرج على الأرض ومنهار العربية متقلبتش لوحدها، فيه ناس وقفتنا، وبابا زقني برا العربية في الضلمة وقالي اجري ومتبصش وراك.. وشفتهم وهما بيشيلوا ماما وهي لسه بتتنفس وبيحطوها في عربية تانية.. بابا ممتش يا خالتو، بابا هو اللي باعها، وهو اللي باعتلي الرسالة دي النهاردة.
طلع من جيبه ورقة مطبقة ومهرية، فتحتها بإيد بتترعش، كان مكتوب فيها بخط أنا عارفاه كويس، خط محمود اللي مفارقتش عيني سنين ياسين، كفاية 12 سنة حماية.. الوقت جه عشان ترجع الأمانة لصحابها، افتح السرداب اللي تحت السرير، أمك مستنية اللي يخلصها. بصيت لياسين برعب، والسؤال كان بيصرخ جوايا سرداب إيه؟ إحنا عايشين في البيت ده بقالنا 12 سنة ومشفناش حاجة!.. فجأة سمعنا صوت خبطة مكتومة جاية من تحت الأرض، من أوضة ياسين اللي كانت مقفولة بالمفتاح، خبطة منتظمة.. كأن فيه حد بيستنجد بقاله سنين.
تسمرت في مكاني، والصوت المكتوم اللي طالع من تحت الأرض كان بيزيد حدة، خبطات رتيبة ومنتظمة كأنها نبض قلب مجهد بيحاول يعافر عشان يطلع للنور. ياسين سحب إيدي وجرني وراه ناحية أوضته، كان بيتحرك زي الآلة، وشه خالي من أي تعبير غير الرعب الصافي. أول ما فتح الباب، ريحة غريبة ضربت في مناخيري، ريحة تراب قديم مخلوط بحاجة زي البخور بس تقيلة وتكتم النفس.
ياسين زق السرير بعزم ما فيه، وظهر تحتيه باركيه خشب مخلوع ومحطوط مكانه سجادة صلاة قديمة ومهلهلة. ياسين.. إيه ده؟ إنت بتعمل إيه؟ صرخت فيه وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا، لكنه مردش، وطى على الأرض وشال السجادة، وظهر تحتها باب خشب صغير سحارة مدهون بنفس لون الأرضية عشان ميتحسش بيه.
بقالها شهر بتنادي عليا يا خالتو.. كل ليلة، من بعد ما كملت ال 16، والصوت مبيسكتش قالها وهو بيشد الحلقة الحديد اللي في الباب. الخشب طلع صوت تزييق يقطع القلب، وفجأة ظهر قدامنا سلم ضيق ونازل لتحت في ضلمة كحل. الخبط وقف فجأة، وحل مكانه صوت نهجان تقيل، صوت حد بيحاول يفتكر إزاي يتنفس.
نزلت أول درجة ورجلي بتترعش، وياسين نور كشاف موبايله. السلم كان آخره أوضة صغيرة جداً، جدرانها متغطية بورق جرايد قديم من سنين فاتت، وفي الركن كان فيه سرير حديد مصدي وقاعدة عليه ست.. شعرها أبيض طويل ومغطي وشها كله، ولابسة هدوم كانت في يوم من الأيام فستان فرح زينب
اللي ضاع ليلتها. الست رفعت راسها ببطء، وعينها لما جت في عيني، صرخت صرخة مكتومة، ومدت إيدها اللي عبارة عن جلد على عضم وقالت بصوت ملهوش علاقة بالبشر تأخرتي ليه يا أختي؟ محمود قال إنك هتيجي تاخدي مكانك عشان أمشي أنا.
الكلمة نزلت عليا كأنها صاعقة، رجلي ملمستش الأرض وبقيت ساندة على جدار السرداب البارد وأنا مش مصدقة. آخد مكاني؟ زينب.. أنتي بتقولي إيه؟ صوتي طلع مبحوح، والست اللي قدامي بدأت تضحك ضحكة هستيرية، ضحكة خالية من أي روح، وهي بتشاور بإيدها المرتعشة على ركن الضلمة اللي وراها.
بصيت مطرح ما بتشاور، وشفت حاجة خلت عقلي يطير؛ كان فيه تسع تماثيل من الشمع، معمولين بدقة مرعبة، كل تمثال فيهم نسخة طبق الأصل من واحد من الولاد اللي ربيتهم ال 12 سنة اللي فاتوا، بس التماثيل كانت متوصلة بأسلاك نحاس نازلة من سقف السرداب وغارزة في قلب كل تمثال. محمود مبعش حد يا خالتو.. ياسين نطق الجملة دي وهو واقف ورايا، وصوته فجأة اتغير، بقى غليظ وعميق، محمود كان بيحمينا.. الثمن كان لازم يتدفع، والتبني مكنش لله وللوطن، دول مش أخواتي يا خالتو، دول القرابين اللي كان لازم يعيشوا وسطك عشان ياخدوا من روحك ويغذوا السرداب ده.
الست اللي مفروض إنها أختي قامت وقفت، طولها كان غير طبيعي، وبدأت تقرب مني وهي بتجر رجلها، والريحة التقيلة بقت لا تُطاق. ياسين كبر يا أختي.. وياسين هو الوحيد اللي من دمه، الباقي مجرد أوعية، ودلوقتي الدائرة لازم تتقفل.. أنتي سكنتي بيتي، وربيتي ولاده، ودلوقتي لازم تسكني مكاني عشان أنا أطلع أشوف الشمس اللي نسيت شكلها.

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى