فصص وحكايات

أمي كانت عندها عادة مختلفة شوية

أمي كانت عندها عادة مختلفة شوية ولازم تعملها بصورة يومية بعد ما تطلع الأكل للفراخ والبط، كانت بتملى طبق مية وطبق تاني تحط فيه بواقي عيش وتحطه على سور البلكونة للعصافير، وأي قطة كانت بتيجي قدام البيت كان لازم تديها أكل (شوك سمك أو عضم) أو أي حاجة موجودة في البيت..

وطبعًا كانت بتعمل حاجات أكبر مع الناس وتحديدًا في موضوع إطعام الطعام، كانت بتقول إن دي عبادة عظيمة بتمنع عن الإنسان وبتخلي الأجر بتاعه مالوش أول من آخر..

مقالات ذات صلة

لدرجة إنها وصلت لمرحلة عجيبة، وبقت يوميًا لو طبخت أو جابت أكل للبيت لازم تشيل منه، يعني جابت كيلو طماطم لازم تشيل اتنين في كيس، جابت كيس رز تاخد منه حاجة بسيطة، وتفضل كدا كام يوم لحد ما تكمل كيس كويس في أكل وتوديه بنفسها لحد من الجيران المحتاجين..

 

كانت لها محبة غريبة في البلد عندنا، لدرجة إني لما كنت بروح السوق معاها مكناش بنروح قبل ساعتين من كتر السلام مع الستات اللي بيشدوا فينا ندخل نشرب شاي، أو تقابل واحدة في السوق تمسك فيها وتفضل تحكي معاها..

 

والأكتر من ده لما كان ييجي ضيف، تفضل تحط الأكل اللي في البيت كله قدامه حتى لو عارفة إنه مش هياكل حاجة، وبصراحة ومن جوايا كنت شايفة إن الموضوع مُبالغ فيه، وإن الكرم الزايد ده هيطمع الناس فينا..

 

وزي ما بيقولوا (اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع) والبيت عندنا أوقات كتير بيكون محتاج ومع ذلك موقفتش عادة توزيع الأكل دي أبدًا ولا كان عندها استعداد توقفها..

 

وكانت ممكن تتخانق معايا خناقة كبيرة وتقلب عليا لو اعترضت أو اتكلمت في الموضوع ده ولو بنص كلمة، وفضل الحال كدا لحد ما بدأت تشتكي من ألم شديد في بطنها، تجاهلته يوم واتنين وشهر لحد ما الموضوع بقا صعب وبقا الألم مستمر على مدار اليوم، لدرجة إنها كانت بتبكي من الوجع لأنها مبقتش قادرة تتحمل..

 

روحنا كشفنا عند دكتور وطلب تحاليل وإشاعات خدت كل ما نملك من الفلوس، وكانت الصدمة لما اكتشفنا إن عندها (ورم خبيث) في القولون، ولازم نعمل عملية استئصال في أسرع وقت، طيب العملية دي هتتكلف كام وكانت الصدمة، العملية محتاجة 200 ألف، ولو هتتعمل على نفقة الدولة هنحتاج ٦ شهور انتظار، في حين إن أمي مكنتش هتتحمل شهرين والورم هيدمر القولون والأمعاء..

 

وقعدت يومها على الرصيف في الشارع مغمومة غم السنين، بنت لسة في العشرينات مالهاش أب ولا أخ تتسند عليه في محنتها دي ومش عارفة تعمل أيه، رجعنا البيت وأنا حابسة دموعي بالعافية، وأمي قبل ما تدخل تنام وصتني موقفش عادة الأكل دي ولو للعصافير والقطط والمقربين مننا..

 

بصتلها لأول مرة بغضــ,,ـب لأني مكنتش متحملة السلبية اللي هي فيها، ولأول مرة أتخانق وأرفع صوتي عليها، قولتلها إننا في مصيبة وهي باصة لأكل الناس والعصافير، حسيت في وشها بصدمة وكسرة لما زعــ,,ـها..

 

تمالكت نفسي بسرعة وبوست على إبديها واعتذرت، وقولتلها إني مهمومة ومش عارفة هعمل أيه، قالتلي إن اللي هيطلعنا من الغم ده هي العبادة العظيمة دي اللي اسمها (إطعام الطعام) ولو معملناش كدا حالتنا هتسوء أكتر وأكتر..

 

ودخلت أمي نامت، ومن تاني يوم حالتها بدأت تسوء بزيادة وبطريقة مُخيفة، أي أكل تاكله لازم ترجعه تاني، جسمها بيخس بطريقة مُخيفة، والوجع مستمر على مدار ٢٤ ساعة، ولما كانت بتهدى شوية كانت ترجع تنادي عليا وتشوفني عملت أيه، كنت بكذب عليها وبقولها حطيت أكل القطط والعصافير وعملت شنطة للجيران، لكن الحقيقة مكنتش بعمل كدا ولا قادرة أعمل كدا..

 

وفضلت أحاول استلف فلوس أو أكلم أي حد، لكن مين هيساعدنا في مبلغ ضخم زي ده وهو متأكد إننا مش هنعرف نرده إطلاقًا، وكل يوم كنت بصحى على تعب أمي وعلى الهم اللي مش عارفة أتصرف فيه، أخرج من البيت بلا هدف وأقعد على الأرصفة أبكي زي العيال وبعدين أرجع، الحِمل أكبر مني بمراحل كبيرة، لحد ما أمي في مرة قامت من رقدتها واتفاجئت إن طبق العصافير فاضي، وطبق القطط فاضي، واكتشفت كمان إن مفيش ولا شنطة راحت للجيران..

 

شوفت يومها في وشها غضــ,,ـب كبير، وجمعت بواقي أكل من البيت وعملتها في شنطة وحلفت لتروح بنفسها توديها وهي تعبانة كدا، حاولت أقنعها إني هروح أنا رفضت وقالت إني خنت عهدي معاها، وإن رقدتها دي بسبب وقف الموضوع، لو كنت بعمل اللي قالت عليه مكنتش طولت في رقدتها، وإني السبب في كل ده، عشان كدا كانت مستغربة من طول الرقدة..

 

وفعلًا راحت وهي بتمشي بالعافية ودت الأكل ورجعت حطت عيش في طبق العصافير، وجابت شوية رجول فراخ طبختهم مخصوص وحطتهم للقطط، ودخلت نامت وهي زعلانة مني، يومها قعدت أبكي لحد الفجر، من العجز والقهر اللي فيا، لحد ما لقتها صاحية مع آذان الفجر وكانت مبسوطة ومبتسمة، لدرجة إن قلبي اتقــ,,ـبض لأني تخيلت إنها هتمــ,,ـوت وإن دي حُسن الخاتمة..

 

أفكار الليل كله كلت دماغي تمامًا، صلت الفجر وطلبت مني أجيب توكتوك ياخدنا لأول الشارع لأنها هتخرج تروح للدكتور، استغربتها أوي لكنها رفضت تقول أي حاجة وقالت لو مروحتش معاها وسمعت الكلام هتروح لوحدها..

 

وغصب عني وقفت توكتوك وجبته للبيت، خدنا وطلعنا على أول البلد وركبنا عربية لمدة ساعة كاملة، وبعدين ركبنا عربية تانية، كانت أمي وكأنها عارفة هي رايحة فين وحافظة الطريق رغم إنها مكنتش بتخرج إلا نادرًا..

 

شوية ووصلنا لعمارة قديمة شوية، جابتلي أكل وقالتلي أقعد هنا ساعتين وهي مش هتتأخر، طلبت منها أطلع معاها رفضت تمامًا واتعصبت، وفعلًا قعدت ساعتين كاملين القلق بينهش فيا، ساعتين عدوا عليا وكأنهم سنتين كاملين..

 

لحد ما لقتها نازلة، كان شكلها مُختلف، غريب، خدتني وروحنا على عربية أكل ولقتها طلبت ٤ سندوتشات وكلتهم كلهم، كنت مذهولة، قاعدة ببص ناحيتها بدون ما أرمش، أمي اللي مبتبلعش اللقمة قاعدة تاكل لا وكمان بتشرب شاي..

 

حضـ,,ـنتها بكل قوتي وبكيت في الشارع لدرجة إن الناس اتجمعوا حولينا، صاحب العربية نزلي أكل ببلاش وقال:

 

ـ عشان خاطر ست الكل دي..

 

والناس ركبونا عربية مخصوص وصلتنا لحد البيت مجانًا..

 

وفضلت يومين هتجنن وأعرف أمي خفت ازاي، محدش بيخف من الموضوع ده غير بعميلة والتعافي منها صعب أوي، وفضل الحال كدا لحد ما روحت بنفسي من وراها العمارة دي، كنت فاكراها كويس، وطلعتها وفضلت أبص على الشقق، مفيش ولا شقة ساكنة من الأساس..

 

ولما طلعت منها سألت الراجل بتاع عربية الأكل وقال إن العمارة كلها مهجورة ومفيهاش عيادة دكتور ولا أي حاجة..

 

رجعت لأمي وأنا هتجنن وحكيت لها اللي حصل، أمي قالتلي إنها يوم ما راحت تبعت الأكل للست وهي تعبانة قابلت قط أسود صغير فحطتله أكل وطبطبت عليه، وليلتها بالليل لقته واقف جمب دكتور، والدكتور بيقولها تروحله على العنوان الفلاني، وقاله بالتفصيل وقالها إن العملية هتاخد ساعتين بس..

 

وقالتلي إنها طلعت لقت عيادة عادية ولكن قديمة شوية ومنورة بنور أصفر، وقابلها فعلًا الدكتور اللي شافته في الحلم، وخدتها بنت صغيرة جهزتها للعملية وبعدين غابت عن الوعي، ولما صحيت لقت نفسها قدام باب العيادة ومش حاسة بأي وجع إطلاقًا..

 

أمي بقت كويسة، وأنا فضلت فترة طويلة مش مستوعبة ولا مصدقة اللي حصل، لكن اللي فهمته بعدها إن رسولنا الصادق الأمين لما قال (داوُوا مرضاكم بالصَّدَقةِ) كان بيتكلم بالحق، وإن الصدقة لها سر عجيب في شفاء المرضى، مش شرط تحصل معاك معجزة بالشفاء لكن ربنا هييسرلك سُبل الشفاء أكيد، ولو الموضوع طول شوية فاعرف إن أجرك بيزيد أكتر وأكتر..

 

اتأكدت إن إطعام الطعام سره عجيب وبيمنع عن البيت كوارث، لو شنطة واحدة شهريًا فيها أكل ولو بسيط، شوية حبوب وخضار وممكن كيس فراخ وتبعتهم لحد محتاج، حاجة بسيطة ولكن أثرها عجيب، فلو في مقدرتك تطعم الناس أعمل كدا، أعمل كدا لأن الموضوع يستحق، وله أجرين، واحد في الدنيا وواحد أكبر في الآخرة..

 

[وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] سورة الإنسان

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى