فصص وحكايات

قصة اعتنيت بأطفال أختي حكايات انجي الخطيب

في واحد من التماثيل الشمع اللي وراه.
في اللحظة دي، حصلت حاجة مكنتش تخطر على بال بشر؛ التمثال لما اتخبط، صرخ صرخة آدمية تقطع القلب، وبدأ دم حقيقي ينزف من الشمع ويغرق الأرضية. فجأة، كل التماثيل التانية بدأت تتحرك بعشوائية وتخبط في بعضها، والخيوط اللي واصلة للسقف بدأت تتشد لدرجة إن البيت فوق بدأ يميل.
محمود صرخ صرخة وجع وكأن روحه هي اللي بتتسحب لا! التوازن باظ! العهد اتكسر!.. الأرض تحتنا بدأت تتشقق وتطلع منها مية سوداء وليها ريحة كبريت. زينب قامت وقفت بجهد خرافي، وبصت لعمر وياسين، وبصوت فيه بحة الموت قالت خدوها واجروا.. المكان ده مش هيتحمل أكتر من كدة.. البيت ده كان سجن، والنهاردة السجن هينفجر.
ياسين قام من على الأرض وسحبني من إيدي، وعمر مسك إيدي التانية، وبدأنا نطلع السلم الضيق والدرجات بتنهار ورانا درجة درجة. بصيت ورايا لآخر مرة، شفت محمود وهو بيحاول يلم الدم اللي نازل من التماثيل بإيده، وزينب واقفة وراه وبتبتسم لي لأول مرة بملامحها القديمة وهي بتهمس سامحيني.
أول ما رجلينا لمست أرضية الأوضة فوق، البيت كله اتهز هزة أخيرة، والسرداب انهار تماماً وبلع كل اللي فيه. وقفنا في الصالة، أنا وال 9 ولاد، بنبص لبعض في ذهول وصمت قاتل، والمطر برا لسه شغال. وف وسط السكوت ده، تليفون البيت رن.. مشينا كلنا ناحيته بخوف، ياسين مد إيده وفتح السبيكر، وجالنا صوت محمود، بس المرة دي كان صوته هادي وطبيعي جداً زي زمان يا ولاد.. أنا خلصت الورق، ومستنيكم برا على الطريق، حد يفتح الباب.
بصينا لبعض برعب، وبصينا للباب اللي كان مقفول بالترباس من جوا.. وفجأة، سمعنا صوت مفتاح بيلف في الكالون من برا.
تسمرنا في أماكننا، والأنفاس محبوسة في الصدور. صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان بيعمل صدى في قلوبنا قبل ودننا، تكة.. وراها تكة.. والباب بدأ يتفتح ببطء شديد. ياسين كان ماسك في إيدي لدرجة إن ضوافره غرزت في جلدي، وعمر رفع الفأس اللي في إيده وهو بيترعش.
الباب اتفتح تماماً، والهوا البارد والمطر دخلوا الصالة، وظهر قدامنا محمود.. بنفس الهدوم اللي خرج بيها من 12 سنة، مبلول من المطر، وفي إيده شنطة أوراقه الجلد. دخل البيت وهو بيمسح المية عن وشه وابتسم ابتسامة باهتة مالكم واقفين كدة ليه؟ كأني شفتوا عفريت؟ قولتلك يا هدى مش هغيب كتير، الطريق كان واقف بس.
بصيت لياسين، وبصيت للسرداب اللي لسه منهار تحتنا والتراب طالع من فتحة الأوضة، إزاي ده يكون محمود؟ وإيه اللي كان تحت ده؟ محمود؟ نطقت اسمه بصوت مهزوز، قرب مني ومد إيده عشان يلمس كتفي، لكن عمر صرخ فيه متقربش! أنت مين؟ اللي تحت ده كان مين؟
محمود عقد حواجبه باستغراب، وبص للحفرة اللي في أوضة ياسين ووشه فجأة اتحول لجمود غريب، الابتسامة اختفت وحل مكانها نظرة خالية من أي مشاعر. آه.. لحقتوا تفتحوا الهدايا؟ قالها ببرود وهو بيقفل باب الشقة وراه وبيرمي الترباس. كنت فاكر إن العهد هياخد وقت أكتر من كدة عشان يتفعل، بس الظاهر إن شوقكم لزينب كان أقوى من صبري.
وفجأة،
النور قطع في البيت كله، وما بقيناش شايفين غير ضوء البرق اللي بيخطف العين من الشبابيك. وسط الضلمة، سمعنا صوت ضحكات أطفال جاية من كل ركن في الصالة، بس مكنتش ضحكات ولادي التسعة اللي واقفين جنبي.. دي كانت ضحكات تانية، رفيعة ومستفزة. أنا مجبتش أوراق يا هدى، صوت محمود كان بيتحرك في الصالة وكأنه في كل مكان في نفس الوقت، أنا جبت الباقي.. التماثيل اللي تحت كانت محتاجة أرواح عشان تنطق، والنهاردة البيت هيكمل عيلته.
ياسين ولع كشاف موبايله بسرعة، والنور جه على ركن الصالة.. شفت ال 9 ولاد بتوعي واقفين، بس ملامحهم كانت بتمسح، عيونهم بتختفي ويحل مكانها شمع أبيض بيسيح على وشوشهم. صرخت صرخة شقت السكون ووقعت على ركبي ولادي! عملت فيهم إيه يا محمود؟
محمود ظهر من ورايا، وهمس في ودني وهو بيحط إيده على راسي بنعومة مرعبة دول مكنوش ولادك أبداً يا هدى.. دول كانوا صيادين، وظيفتهم يجمعوا سنين عمرك وحنيتك ويخزنوها في السرداب عشان زينب ترجع شباب.. بس بما إن السرداب انهار، فإحنا هنغير الخطة.
بصيت لياسين، الوحيد اللي ملامحه لسه زي ما هي، وكان واقف بيبص لأبوه بذهول. محمود كمل وهو بيشاور على ياسين ياسين هو المفتاح.. هو اللي هيفتح الباب الكبير دلوقتي. وفجأة، الأرضية اللي تحتنا بدأت تتهز تاني، بس المرة دي مش السرداب اللي بيتفتح.. ده البيت كله كان بيغرق لتحت، وكأن الأرض بتبلعه باللي فيه.
وفي وسط الرعب ده، ياسين قرب من أبوه بخطوات ثابتة، ومسك إيده، وبصلي بابتسامة خبيثة مكنتش شفتها فيه قبل كدة، وقالي ببرود خالتي هدى.. أنتي لسه مصدقة إن فيه حد فينا كان ضحية؟
وفجأة، حسيت بإيدين كتير بتطلع من تحت الأرض، إيدين شمعية باردة بتمسك رجلي وبتشدني لتحت، وصوت محمود وياسين بقوا يترددوا في ودني بجملة واحدة أهلاً بيكي في عيلتنا الحقيقية.

4 من 4التالي
تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى